فصل: مسألة العامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة مخالطة اليتيم في النفقة:

في مخالطة اليتيم في النفقة قال: وسألته امرأة فقالت: أخذت صبية يتيمة احتسبت فيها الأجر، فيدها مع يدي ويد بناتي لست أضن عنها بشيء، فربما سألني عنها السائل فأعطاها الدراهم فأشتري لها بها الشيء، فربما لم يكن عندي ما أطعم ولدي فأطعمهم من الذي اشتريت لها، وربما أكلت منه إذا لم يكن بيدي ما أشتري به، فقال لها: أنا أخبرك عن ذلك، إن كان ما تنال منك الجارية مثل الذي تصيبين مما أخذت لها أو أكثر فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لقول الله عز وجل في اليتامى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220]. وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم.

.مسألة ما يجازي الله به الصادق في الدنيا:

فيما يجازي الله به الصادق في الدنيا قال: وسمعت أنه قال ما حرف إنسان قط صدوق وليس من أهل الكذب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لا يكون إلا عن توقيف وإن صح بمعناه في الغالب. وقد مضى هذا في رسم الشجرة قبل هذا من سماع ابن القاسم.

.مسألة حكاية عن عمر بن عبد العزيز:

قال: وقال اقتتل غلمان لسليمان بن عبد الملك وغلمان لعمر بن عبد العزيز، فضرب غلمان عمر غلمان سليمان فحمل سليمان وقيل له: هذا ما صنعت، شبرته وفعلت به، فدخل عليه عمر فقال له سليمان: ما هذا؟ ضرب غلمانك غلماني وأهلي، فقال له عمر ما علمت هذا قبل مقالتك الآن، فقال له: كذبت، فقال له عمر: يقال لي كذبت وما كذبت منذ شددت علي إزاري، وإن في الأرض من مجلسنا هذا لسعة، ثم خرج من عنده وتجهز يريد الخروج، فسأل عنه سليمان حين استبطأه فقالوا: إنه يريد الخروج إلى مصر وقد تجهز، فأرسل إليه أن ارجع وادخل علي، وقال للرسول: قل له إذا جاءني لا يعاتبني فإن في المعاتبة فجاءه عمر فقال له سليمان: ما همني أمر قط إلا خطرت فيه على بالي. وقال عن عمه أبي سهيل قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فوعظته وقلت له حتى رق وقام من مجلسه فتنحى ناحية ما على أرض فلم يعجل عليه مزاحم ثم أخذ وسادة فأدناها منه فأخذها عمر فرمى بها.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم أرضني بقضائك وأسعدني بقدرك حتى لا أحب تأخير شيء عجلته ولا تعجيل شيء أخرته. قال: وقال: قام عمر بن عبد العزيز إلى مصلاه من مجلسه فذكر سهيل بن عبد العزيز وعبد الملك ومزاحما، فقال اللهم إنك قد علمت ما كان من عونهم لي ومعونتهم إياي فأخدتهم فلم يزدني ذلك لك إلا حبا، ولا لي فيما عندك إلا شوقا، ثم رجع إلى مجلسه.
قال محمد بن رشد: هذه الحكاية كلها عن عمر بن عبد العزيز شاهدة له بما هو معلوم مشهور من خيره وفضله رحمة الله عليه ورضوانه، والشبر: العطاء، يقال: شبرت الرجل وأشبرته إذا أعطيته، وشبرت المرأة صداقها أعطيتها إياه. فمعنى الكلام هذا ما صنعت أعطيته الجاه والأثرة والمنزلة والمكانة حتى استطال غلمانه على غلمانك. والتشديد في شبرت بمعنى التكثير، كما تقول ضربت وقتلت. ووقع في بعض الكتب: هذا ما فعلت سبرته، وهو غلط لا معنى له والله أعلم، وقد رأيت لبعض أهل اللغة أن التشبير بمعنى التعظيم يقال شبر فلان إذا عظم، وشبرته إذا عظمته. وهذا أشبه بمعنى الحكاية، لأن القائل قال له لما حمل، أي غضب، لإنداره أعوانه على أعوانه: هذا ما صنعته بنفسك، لأنك شبرته أي عظمته وفعلت وفعلت حتى استطال أعوانه على أعوانك، وبالله التوفيق.

.مسألة الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد:

في الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد قال: وسألته عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد، فقال: أما ما كان منها من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني أكره ذلك وأكره أن يزاد فيها وينقص، وما كان من غير قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا أرى بذلك بأسا إذا كان المعنى واحدا. قيل له: أرأيت حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: التقديم والتأخير في الأحاديث والزيادة في ألفاظها والنقصان منها وتبديلها بما كان في معناها مكروه في حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجائز في حديث غيره للفقيه العالم بمعنى الكلام الذي يؤمن عليه الغلط في ذلك بأن يظن أن المعنى سواء وليس بسواء. والدليل على ذلك أن الله تعالى قد ذكر قصص الأنبياء في القرآن متكررة في مواضع بألفاظ مختلفة وزيادة في بعضها على بعض، فلم يكن ذلك اختلافا من القول ولا تعارضا فيه لاتفاق المعنى في ذلك كله. وقد استدل بعض من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز «بحديث البراء بن عازب قال: قال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك اللهم، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك مت على.
الفطرة. واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال: فرددتها على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما بلغت اللهم آمنت. بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت.»
وليس ذلك باستدلال صحيح، لأن المعنى في ذلك مختلف من أجل أن قوله: ونبيك الذي أرسلت يجمع النبوءة والرسالة، ففيه زيادة بيان على رسولك الذي أرسلت، لأن الرسل من الملائكة وليسوا بأنبياء، ولذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا، ونبيك الذي أرسلت. ولمخافة الغلط في مثل هذا على الفقيه كره له أن يسوق شيئا من حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المعنى. وأما إن كان المحدث ليس بفقيه ممن تخفى المعاني عليه فلا يسوغ له أن يحدث على المعنى، إذ قد يسوق الحديث على المعنى الذي ظهر إليه وهو مخطئ في ذلك، مثل الحديث: «إن الله خلق آدم على صورته» ظن بعض الرواة أن الهاء من قوله على صورته عائدة على الله عز وجل. فساقه على ما ظنه من معناه فقال فيه: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن.
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه «نهى أن يتزعفر الرجل» فساقه بعض الرواة على المعنى فيه عنده فقال فيه إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن التزعفر، فدخل في عموم قوله الرجال والنساء، ومثل ذلك كثير. وأما زيادة الألف والواو فيما لا يشك فيه أنه يغير المعنى في حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو خفيف كما قاله مالك، وبالله التوفيق.

.مسألة فضل طاووس وما كان عليه:

في فضل طاووس وما كان عليه قال: وكان طاووس يرجع من الحج فيدخل بيته فلا يخرج منه حتى يخرج للحج من قابل. قال: وكان طاووس يطعم الطعام فيدعو هؤلاء المساكين أصحاب الصفة، فقالوا له: لو صنعت طعاما دون هذا، فيقول إنه لا يكاد يجدونه.
قال محمد بن رشد: فيما كان يفعله طاووس من التزامه داره للسلامة من مواقعة الآثام بمخالطة الناس، وإنما كان يطعم المساكين طيب الطعام لأنه هو الذي يحب ويتمنى، ووعد الله تعالى عليه الجزاء الجزيل حيث يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وقال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] إلى قوله: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12] الآيات إلى آخرها.

.مسألة تعليق الأقناء في المساجد:

في تعليق الأقناء في المساجد وسئل عن الأقناء التي تعلق في المساجد، فقال: بلغني أنها كانت تعلق في زمان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيعطى منها المساكين.
قال محمد بن رشد: الأقناء: العراجين، واحدها قنو، ويجمع على أقناء وقنوان. قال الله عز وجل: {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} [الأنعام: 99] زاد في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة أنه إنما كان يفعل ذلك لمكان من كان يأتي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريد الإسلام، فكان لموضع ضيافتهم فيأكلون منه، وأراه حسنا أن يعلق فيه. فقيل له: أفترى لو عمل ذلك في مساجد الأمصار؟ فقال: أما كل بلد فيه تمر فلا أرى بذلك بأسا. قال ابن القاسم ولم ير مالك بأسا. بأكل الرطب التي تجعل في المسجد مثل رطب ابن عمير وقد جعل صدقة. وفي هذا دليل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المسجد ويبيتوا فيها ويأكلوا فيها ما أشبه التمر من الطعام الجاف كله. وقد مضى هذا المعنى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وفي غير ما موضع، وبالله التوفيق.

.مسألة حديث عبد الله بن عمرو في الفتنة:

في حديث عبد الله بن عمرو في الفتنة قال: «وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعبد الله بن عمرو بن العاص: كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. قال: فكيف بي؟ قال عليك بخاصتك وإياك وعوامهم».
قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في سماع أشهب من كتاب التجارات إلى أرض الحرب بزيادة فيه: قال لي «فانظر لنفسك وعليك بالبين المحض». وفي هذا الحديث علم جليل من أعلام النبوءة، لأنه أعلم فيه عبد الله بن عمرو بن العاص بما يكون بعده من الفتن، وحذره ألا يدخل منها في مشكل. وقد دخل فيها بما أداه إليه اجتهاده مع عزم أبيه عليه في ذلك، وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أطع أباك» فشهد مع معاوية حرب صفين على ما ذكرناه قبل هذا في هذا الرسم: ثم ندم بعد ذلك لما ظهر إليه من البصيرة في خلاف رأيه الأول، فاستغفر الله عز وجل من ذلك مخافة أن يكون قد قصر أولا في اجتهاده مع قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له: فانظر لنفسك وعليك بالمحض البين، وبالله التوفيق.

.مسألة فضل عبد الله بن الأرقم:

في فضل عبد الله بن الأرقم قال: وقال عبد الله بن الأرقم وهو يموت: ألا أخبركم برأي الرجل الصالح في، قال عمر بن الخطاب: لو كان لك مثل سابقة القوم ما قدمت عليك أحدا. قال: وكان عمر بن الخطاب يقول: ما رأيت رجلا قط أخشى لله من عبد الله بن الأرقم. قال مالك: ذكر لي زيد بن أسلم قال: «كتب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاب فقال من يجيب عني؟ فقال عبد الله بن الأرقم: أنا، فأجاب عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرضي ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»- فقال عمر: أصاب ما أراد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يزل ذلك في نفس عمر فلما ولي ولاه بيت المال.
قال محمد بن رشد: عبد الله بن الأرقم هذا هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف القرشي الزهري، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم لأبي بكر بعده، واستكتبه أيضا عمر، فلما ولي ولاه بيت المال، وعثمان بعده وأعطاه ثلاثمائة درهم، فأبى أن يأخذها وقال: إنما عملت لله فأجري على الله. وبلغ من أمانته عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويأمره أن يطينه ويختمه ولا يقرؤه لأمانته عنده. وبالله التوفيق.

.مسألة شبه سالم بن عبد الله بأبيه:

في شبه سالم بن عبد الله بأبيه، وأبيه بأبيه عمر قال: وقال سعيد بن المسيب، كان عبد الله بن عمر أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به. قال مالك: ولم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد والعيش منه، كان يلبس الثوب بالدرهمين، ويشتري الشمال يحملها. وقال مالك قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله ورآه حسن السحنة: أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته، فقال له: أوتشتهيه؟ فقال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
قال محمد بن رشد: إنما أراد أن كل واحد منهما كان أشبه بأبيه من سائر إخوته في خيره وفضله ودينه وبالله التوفيق.

.مسألة فيما كان يدعو به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

قال مالك: قال يحيى بن سعيد: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين وإذا أردت في قوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون».
قال محمد بن رشد: يروى: وإذا أدرت، والمعنى في ذلك سواء، لأنه إذا أراد الفتنة فقد أدارها، وإذا أدارها فقد أرادها. والفتنة على وجوه: فمنها ما كان في أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تعذيبهم ليرتدوا عن دينهم، فذلك قول الله عز وجل: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] أي العذاب أشد منه؛ ومنها أن يفتن الله قوما أي يبتليهم، ومنها ما يقع بين الناس من الخلاف والحروب؛ ومنها الفتنة بالنساء، تقول قد فتن بالمرأة إذا تعشقها؛ ومنها الإضلال، قال الله عز وجل: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات: 162] أي بمضلين؛ ومنها الفتنة بالنار، تقول: فتنته بالنار أي أحرقته بها، وفي القرآن: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13] أي يحرقون. والفتان: الشيطان الذي يصد الناس عن دينهم ويغويهم، وفتانا القبر منكر ونكير، فينبغي أن يستعاذ بالله عز وجل من الفتنة على الوجوه كلها تأسيا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعاؤه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فعل الخيرات وترك المنكرات بين لا إشكال فيه. وأما دعاؤه في حب المساكين فالمعنى فيه، والله أعلم، حب المسكنة، فقد روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين». ومعناه الذليل المتواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا كبرياء، لا المسكين الفقير من المال، فقد استعاذ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفقر المنسي والغنى المطغي، فأغناه الله عز وجل الغنى الذي ليس بمطغ وعدد النعمة عليه بذلك فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى} [الضحى: 8]. وقد مضى التكلم على الفقر والغنى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة ما روي عن داود النبي عليه السلام في قلة المال وكثرته:

فيما روي عن داود النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في قلة المال وكثرته قال: وقال لي: سمعت أن داود النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. قال مالك: قال ذلك الرجل: إن كان يغنيك ما يكفيك، فأقل عيشها يغنيك.
قال محمد بن رشد: في قول هذا الرجل زيادة لم تقع هاهنا وهي: وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يغنيك. والمعنى في هذا كله بين، لأن كثرة المال الذي يلهي مذموم، فقد استعاذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الغنى المطغي فلا إشكال في أن القليل الذي يكفي خير منه، لأن فيه الاستغناء عن الناس، والسلامة من أن يلهيه المال ولا يقوم بحقوق الله عز وجل فيه. ومن كان معه من المال ما يقوم به ويغنيه عن الناس وعن الكدح في معيشته فهو من الأغنياء، وبالله التوفيق.

.مسألة فضل ابن المنكدر وثنائه بالعلم على سعيد بن المسيب:

في فضل ابن المنكدر وثنائه بالعلم على سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار قال مالك: وكان محمد بن المنكدر سيد القراء لا يكاد يسأل عن حديث أبدا إلا يكاد يبكي.
قال محمد بن رشد: وكان سعيد بن المسيب عالما بالبيوع، وكان أشبه أهل المشرق به محمد بن سيرين، فقيل له: سليمان ابن يسار؟ قال: لم أسمع عن سليمان بن يسار.
قال القاضي: البكاء من خشية الله لا يكون إلا مع حقيقة العلم بالله، قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وقال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21] إلى قوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22] {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23] {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24]. وقال عز وجل: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]. وقد كان سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار فرسي رهان في العلم والفضل، واختلف أيهما أعلم. وقيل: إن العلم كان لسليمان بن يسار، والذكر كان لسعيد بن المسيب، وبالله التوفيق.

.مسألة أخذ الأحاديث عن الثقة إذا لم يكن حافظا:

في أخذ الأحاديث عن الثقة إذا لم يكن حافظا وسئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أتؤخذ عنه الأحاديث؟ قال: لا، فقيل: يأتي بكتب فيقول قد سمعتها وهو ثقة أتؤخذ منه؟ قال: لا تؤخذ منه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. قال: وذكرت عنده كثرة الكتب فقال: ما شأن أهل المدينة ليست لهم كتب، مات ابن المسيب، والقاسم بن محمد ولم يتركا كتابا، ومات أبو قلابة فبلغني عنه أنه ترك حمل بغل كتبا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، أنه إذا كان لا يحفظ فلا يؤخذ عنه ما جاء به من الأحاديث في الكتب، وقال: إنه سمعها على فلان وإن كان ثقة للعلة التي ذكرها من أنه يخشى أن يكون قد زيد فيها أو غير بعض معانيها إلا أن تكون الكتب بخط يده فترتفع هذه العلة ويؤخذ عنه ما في الكتب إذا كان ثقة مأمونا.
وهذا فيما جاء به من الكتب التي لا تعرف وقال إنه سمع ما فيها من فلان. وأما الدواوين المشهورة كالبخاري ومسلم وشبههما، فإذا قال إنه سمعها من فلان جاز أن تحمل عنه عن ذلك الرجل، ولا فائدة في رواية الأحاديث إلا التفقه فيها والعمل بها. وكان العلم في الصدر الأول وفي الثاني في صدور الرجال، ثم انتقل بعد ذلك إلى جلود الضان وصارت مفاتيحه في صدور الرجال، فلا معنى لرواية الأحاديث إلا التفقه فيها، ولابد لمريد التفقه فيها من مطرق يفتح عليه معانيها، وبالله التوفيق.

.مسألة إعراض العالم عن جفاء السائل:

في إعراض العالم عن جفاء السائل وقال مالك: وقال رجل كالبدوي للقاسم بن محمد: أنت أعلم أم سالم؟ قال هذا سالم، فإن تأته لم يخبرك إلا بما أحاط به علما.
قال محمد بن رشد: لما سأل السائل القاسم بن محمد عمالا يعنيه مما لا يتحقق معرفته أعرض عن جوابه على ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة جواز لباس المظال:

في جواز لباس المظال قال: وسئل عن لباس المظال، فقال ما كانت من لباس الناس، وما أرى بلباسها بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد بالمظال القلانس الذي لها ظل تقي من الشمس، فلم ير بلباسها بأسا وإن لم تكن من لباس السلف للمنفعة بها، وبالله التوفيق.

.مسألة الذي يسمع الخير ويقبله:

في الذي يسمع الخير ويقبله قال: وسمعت ربيعة يقول: ليس الذي يقول الخير ويفعله خيرا من الذي يسمعه ويقبله حين يسمعه.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه ليس خيرا منه لأنه لا يكون قابلا له إلا أن يفعله، فإن لم يقدر على فعله لحائل يحول بينه وبين فعله جوزي بنيته، فقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة». وقال عز وجل: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95] فأعلم عز وجل باستواء المجاهدين مع القاعدين من ضرر في الأجر، وبالله التوفيق.

.مسألة العامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلم:

في أن العامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلم قال مالك: وسأل رجل عبد الله بن عمر عن شيء فقال لا أدري، فقال له رجل تعال ما سألت عنه؟ فقال: سألت عن كذا وكذا، فقال له: وهو كذا وكذا، فقال له ابن عمر أخبرت الرجل بعلم علمته؟ قال: لا، قال: فبماذا؟ قال: برأيي. فأرسل ابن عمر خلف الرجل إنه إنما أفتاك بغير علم، فانظر لنفسك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال ابن عمر، لأن فرض العامي هو أن يسأل عالما. وإنما اختلف هل له أن يقلد من شاء من العلماء أو ليس له أن يقلد إلا أعلمهم يجتهد في ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة المرأة كالضلع:

ما جاء في أن المرأة كالضلع قال مالك: وحدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنما المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج».
قال محمد بن رشد: إنما قال فيها إنها كالضلع من أجل أنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ولم يرد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن النساء كلهن على هذا، وإنما أراد أن هذا هو الغالب من أحوالهن وصفاتهن، فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» وإنما أراد أن هذا هو الغالب من أحوالهن، إذ قد يوجد من النساء من ترى لزوجها ما يفعل بها من خير وتقر به على كل حال ولا تكفره، وبالله التوفيق.

.مسألة وصف عبد الله بن عمرو لأهل الأمصار:

في وصف عبد الله بن عمرو لأهل الأمصار قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لأهل العراق إنهم أطلب الناس لعلم وأتركهم له؛ ولأهل المدينة أسرع الناس إلى فتنة وأضعفهم عنها؛ ولأهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق؛ ولأهل مصر أكيسهم صغارا وأحمقهم إذا كبروا.
قال محمد بن رشد: هذا إنما قاله على ما اختبر في الغالب من أحوالهم على مر الأعوام، ولا غيبة بذلك فيهم، إذ لم يعين أحدا منهم بما وصف جملتهم به، وبالله التوفيق.

.مسألة التوسع في الإنفاق:

في التوسع في الإنفاق قال: وأخبرني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قال يا ابن آدم أنفق أنفق عليك». قال أشهب قلت: قال الله، قال مالك: ليس هذا هكذا قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قال الله: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك».
قال محمد بن رشد: قد علم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل ذلك إلا عن الله عز وجل أنه قاله، فليس على الراوي في زيادة مثل هذا في الحديث على ما سمعه شيء، ولكنه استحب أن لا يحدث بالحديث إلا على ما سمعه قطعا للذريعة مخافة أن يتجرأ أحد بذلك أن يزيد في حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يظن أنه معناه. وفي الحديث استحباب التوسع في الإنفاق على العيال من غير إسراف، وأن الله يخلف على فاعل ذلك. وقد أثنى عز وجل على المنفقين من غير إسراف ولا إقتار فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وبالله التوفيق.